ابن عجيبة
83
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : تبارك الذي إن شاء جعل ذلك خيرا من ذلك ، وهي جنة المعارف المعجلة ، تجرى من تحتها أنهار العلوم وفيض المواهب ، ويجعل لك قصورا تنزل فيها ، ثم ترحل عنها ، وهي منازل السائرين ومقامات المقربين ، إلى أن تسكن في محل الشهود والعيان ، وهو العكوف في حضرة الإحسان . بل كذّبوا بالساعة ، أي : من تنكب عن هذا الخير الجسيم ، إنما سببه أنه فعل فعل من يكذب بالساعة ؛ من الانهماك في الدنيا ، والاشتغال بها عن زاد الآخرة . واعتدنا لمن فعل ذلك سعيرا ، أي : إحراقا للقلب بالتعب ، والحرص ، والجزع ، والهلع ، والإقبال على الدنيا ، إذا قابلتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظا وزفيرا ؛ غيظا على طلابها ، حيث آثروها على ما فيه رضا مولاها ، وإذا ألقوا في أشغالها ، وضاق عليهم الزمان في إدراكها ، دعوا بالويل والثبور ، وذلك عند معاينة أعلام الموت ، والرحيل إلى القبور ، ولا ينفعهم ذلك . قل : أذلك خير أم جنة الخلد ؟ ، وهي جنة المعارف ، التي وعد المتقون لكل ما سوى اللّه ، كانت لهم جزاء على مجاهدتهم وصبرهم ، ومصيرا يصيرون إليها بأرواحهم وأسرارهم . لهم فيها ما يشاؤون ؛ لكونهم حينئذ أمرهم بأمر اللّه ، كان على ربك وعدا مسؤولا ، أي : مطلوبا للعارفين والسائرين . وبالله التوفيق . ثم شرح ما يلقى أهل التكذيب من الهول والفظاعة ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 19 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) قلت : « اتخذ » قد يتعدى إلى مفعول واحد ، كقوله : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً « 1 » ، وقد يتعدى إلى مفعولين ، كقوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا « 2 » ، فقرأ الجمهور : ( أن نتّخذ ) ؛ بالبناء لفاعل . وقرأ الحسن وأبو جعفر بالبناء للمفعول « 3 » . فالقراءة الأولى على تعديته لواحد ، والثانية على تعديته لاثنين . فالأول : الضمير في ( نتخذ ) ، والثاني : ( من أولياء ) . و ( من ) : للتبعيض ، أي : ما ينبغي لنا أن نتخذ بعض أولياء من دونك ؛ لأن « من » لا تزاد في المفعول الثاني ، بل في الأول ، تقول : ما اتخذت من أحد وليّا ، ولا تقول : ما اتخذت أحدا من ولى . وأنكر القراءة أبو عمرو بن العلاء وغيره ، وهو محجوج ؛ لأن قراءة أبى جعفر من المتواتر .
--> ( 1 ) من الآية 8 من سورة الأنبياء ( 2 ) من الآية 125 من سورة النساء . ( 3 ) أي : ( نتّخذ ) ؛ بضم النون وفتح الخاء .